اخبار عامةَِ

الذكاء الاصطناعي يعرف القانون… فهل يستطيع أن يكون قانونياً؟

بقلم: عماد بدري الشامي

لم يعد السؤال اليوم: هل سيدخل الذكاء الاصطناعي إلى عالم القانون؟

لقد دخل بالفعل.

أصبح قادراً على البحث في كم هائل من المعلومات، وتلخيص المستندات، والمساعدة في مراجعة العقود، واقتراح الصياغات، وترتيب الوقائع، ومقارنة النصوص، والوصول إلى المعلومة خلال وقت كان يحتاج من القانوني سابقاً إلى ساعات وربما أيام.

لكن السؤال الأكثر أهمية هو:

هل معرفة القانون تعني القدرة على أن تكون قانونياً؟

في تقديري، الإجابة حتى الآن: لا.

فالعمل القانوني ليس مجرد معرفة النصوص.

القانوني الحقيقي لا يقرأ المادة القانونية وحدها، بل يقرأ الوقائع والأشخاص والظروف والمخاطر والنتائج المحتملة. وقد تكون أمامه قضيتان تبدوان متشابهتين على الورق، بينما يؤدي اختلاف صغير في واقعة أو مستند أو توقيت إلى تغيير طريقة التعامل مع كل منهما.

وهنا يظهر الفرق بين الوصول إلى المعلومة وبين امتلاك الخبرة في استخدامها.

الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يخبرك بما يقوله النص، وأن يساعدك في البحث والتحليل الأولي، لكنه لا يتحمل مسؤولية القرار الذي ستتخذه بناءً على ذلك.

وهذه نقطة جوهرية.

عندما يصبح الذكاء الاصطناعي مساعداً للقانوني

من الخطأ، في رأيي، التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره خصماً للمحامي أو المستشار القانوني.

الأكثر واقعية أن ننظر إليه باعتباره أداة قوية جداً بين يدي القانوني.

فإذا استطاعت التكنولوجيا اختصار ساعات من البحث أو مراجعة عشرات الصفحات أو تنظيم كمية كبيرة من المستندات، فلماذا لا نستفيد منها؟

المشكلة ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في الاعتماد عليه دون مراجعة وفهم.

فالسرعة لا تعني الدقة دائماً، والصياغة المقنعة لا تعني أن المعلومة صحيحة، والإجابة التي تبدو قانونية لا تعني بالضرورة أنها تتفق مع أحدث تشريع أو مع القضاء المختص أو مع جميع تفاصيل الواقعة.

ولهذا فإن استخدام هذه الأدوات يحتاج إلى قانوني يعرف أساساً ما الذي يبحث عنه، وما الأسئلة التي يجب أن يطرحها، وكيف يتحقق من الإجابة التي حصل عليها.

أخطر إجابة… هي الإجابة المقنعة والخاطئة

هذه ربما من أهم النقاط التي يجب أن يدركها مستخدمو الذكاء الاصطناعي.

قد تحصل على إجابة مكتوبة بلغة ممتازة، مرتبة ومنطقية، وربما تتضمن أرقام مواد وأسماء تشريعات، فتشعر للوهلة الأولى أنك أمام رأي قانوني متكامل.

لكن ماذا لو كانت إحدى المواد قد عُدلت؟

ماذا لو كان التشريع المشار إليه لا ينطبق أصلاً على الواقعة؟

أو كان رقم المادة أو الحكم غير صحيح؟

هنا تصبح جودة اللغة نفسها خطراً؛ لأنها قد تمنح المعلومة الخاطئة مظهراً من الثقة لا تستحقه.

ولهذا يجب أن يبقى الرجوع إلى التشريعات والمصادر الرسمية والتحقق منها جزءاً أساسياً من العمل القانوني.

وماذا عن العقود؟

في العقود تحديداً، يستطيع الذكاء الاصطناعي تقديم مساعدة كبيرة.

يمكنه اكتشاف تناقضات، واقتراح بنود، ومقارنة نسخ مختلفة، وتبسيط لغة معقدة، وتحديد بعض المخاطر المحتملة.

لكن العقد ليس مجموعة بنود جميلة الصياغة.

العقد هو علاقة بين أطراف لكل منهم مصالح ومخاطر وقدرة تفاوضية مختلفة.

قد يكون البند صحيحاً قانونياً، لكنه سيئ تجارياً.

وقد يكون بند آخر ممتازاً لمصلحة العميل، لكنه يجعل الطرف المقابل يرفض الصفقة بأكملها.

هنا يأتي دور الخبرة البشرية في تحقيق التوازن بين الحماية القانونية والواقع التجاري وإمكانية التنفيذ.

هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي مكان القانونيين؟

ربما يكون السؤال نفسه غير دقيق.

السؤال الأقرب إلى الواقع هو:

هل سيأخذ القانوني الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي بكفاءة مكان القانوني الذي يرفض استخدامه؟

هنا أعتقد أن الاحتمال أكبر بكثير.

فالتاريخ المهني يخبرنا أن الأدوات الجديدة لا تلغي دائماً أصحاب المهن، لكنها تغير الطريقة التي يعملون بها.

ومن يرفض التغيير بالكامل قد يجد نفسه بعد سنوات يؤدي في يوم كامل عملاً يستطيع زميل آخر إنجازه خلال ساعات، مع تخصيص الوقت المتبقي للتحليل والتفاوض والتفكير الاستراتيجي.

الخبرة ستبقى… لكن شكلها سيتغير

لا أرى أن الذكاء الاصطناعي يقلل من قيمة الخبرة القانونية.

على العكس، قد يجعل الخبرة الحقيقية أكثر وضوحاً وقيمة.

لأن الوصول إلى المعلومات سيصبح أسهل للجميع، وبالتالي لن تكون الميزة مستقبلاً فيمن يستطيع العثور على النص فقط، وإنما فيمن يستطيع أن يفهمه ويضعه في سياقه ويعرف متى يستخدمه ومتى لا يستخدمه.

القيمة ستنتقل تدريجياً من:

«أنا أعرف المعلومة»

إلى:

«أنا أعرف ماذا أفعل بهذه المعلومة».

وهذا فرق كبير.

القانوني في عصر الذكاء الاصطناعي

القانوني الناجح في المرحلة المقبلة، في تقديري، لن يكون من يرفض التكنولوجيا، ولا من يسلم لها عقله بالكامل.

سيكون من يعرف كيف يجمع بين الاثنين:

سرعة التكنولوجيا ودقة الإنسان.
قدرة الآلة على معالجة المعلومات وخبرة القانوني في فهم الواقع.
الذكاء الاصطناعي كأداة، والعقل القانوني كصاحب قرار.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعدنا في قراءة آلاف الصفحات، لكنه لا يحمل مسؤولية النصيحة التي نقدمها.

يستطيع أن يقترح صياغة عقد، لكنه لا يجلس أمام الطرف الآخر ليفاوضه.

ويستطيع أن يعرض احتمالات متعددة، لكنه لا يتحمل أمام العميل أو المؤسسة نتيجة اختيار أحدها.

ولهذا ربما لا يكون مستقبل المهنة القانونية صراعاً بين الإنسان والآلة كما يتصور البعض.

بل سيكون منافسة بين من عرف كيف يستخدم هذه الأدوات لتطوير نفسه، ومن اعتقد أن سنوات الخبرة وحدها كافية لحمايته من التغيير.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً:

الذكاء الاصطناعي يعرف الكثير عن القانون… لكن هل معرفة القانون وحدها تكفي لكي تكون قانونياً؟

في اعتقادي، لا.

لأن القانون في النهاية ليس نصوصاً فقط، بل فهم ومسؤولية وتقدير وخبرة وقرار.

ملاحظة: يعبر هذا المقال عن رؤية الكاتب وتحليله الشخصي لمستقبل استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني، ولا يمثل رأياً أو استشارة قانونية متخصصة في حالة بعينها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى