اخبار عامةَِ

حسن النية في العقود… عبارة أخلاقية أم التزام قانوني؟

بقلم: عماد بدري الشامي

كثيراً ما نسمع في العلاقات التعاقدية عبارة: «يجب تنفيذ العقد بحسن نية».

وقد تبدو للوهلة الأولى عبارة أخلاقية جميلة، تدعو الأطراف إلى الصدق والاحترام والتعاون.

لكن هل حسن النية في العقود مجرد قيمة أخلاقية؟

أم أنه مفهوم يمكن أن يرتب آثاراً قانونية حقيقية؟

في دولة الإمارات العربية المتحدة، المسألة ليست مجرد مبدأ أخلاقي؛ فقد قرر قانون المعاملات المدنية مبدأ تنفيذ العقد بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية.

وهنا تبدأ أهمية الموضوع.

التوقيع ليس نهاية العلاقة

عندما يوقع طرفان عقداً، لا تنتهي مسؤوليتهما عند حدود التوقيع.

بل تبدأ مرحلة ربما تكون أهم: مرحلة التنفيذ.

قد يكون العقد واضحاً ومفصلاً، لكن طريقة تعامل الأطراف أثناء التنفيذ قد تصنع الفرق بين علاقة تعاقدية مستقرة ونزاع يستمر سنوات.

فالعقد لا يعيش على الورق وحده.

هناك مراسلات، ومواعيد، والتزامات متبادلة، وطلبات، وإخطارات، ومستندات، وربما ظروف تتغير أثناء مدة العقد.

ومن هنا تظهر أهمية حسن النية في التعامل مع كل هذه التفاصيل.

حسن النية لا يعني التنازل عن الحقوق

هناك مفهوم خاطئ أحياناً بأن التصرف بحسن نية يعني أن يكون الطرف متساهلاً أو أن يتنازل عن حقوقه.

وهذا غير صحيح.

يمكنك أن تتمسك بحقوقك كاملة، وأن تطالب بتنفيذ الالتزامات، وأن ترفض ما يخالف العقد، وفي الوقت نفسه تتصرف بحسن نية.

فحسن النية لا يعني أن تكون ضعيفاً في التفاوض أو أن تقبل إخلال الطرف الآخر.

إنما يتعلق، في جوهره، بطريقة ممارسة الحقوق وتنفيذ الالتزامات في إطار العلاقة التعاقدية.

والعقد لا يُقرأ بنداً منفرداً عن بقية العلاقة

من الأخطاء التي تظهر في النزاعات أن يبحث كل طرف عن جملة واحدة داخل عقد طويل ثم يحاول بناء موقفه بالكامل عليها.

لكن العلاقات التعاقدية أكثر تعقيداً من ذلك.

فهم العقد قد يتطلب النظر إلى طبيعته وغايته ومجموع شروطه والظروف المحيطة بتنفيذه، وفقاً للقواعد القانونية التي تحكم تفسير العقود.

ولهذا فإن محاولة استخدام بند بطريقة تتعارض بصورة واضحة مع طبيعة الاتفاق أو الغاية التي قام عليها قد تثير إشكالات تتجاوز القراءة الحرفية لذلك البند.

حسن النية مسؤولية متبادلة

من المهم أيضاً ألا نستخدم مفهوم حسن النية في اتجاه واحد.

فليس صحيحاً أن نطالب الشركة دائماً بحسن النية ونتجاهل التزامات العميل، أو نطالب العميل به ونتجاهل التزامات الشركة.

العقد علاقة متبادلة.

إذا كان أحد الأطراف مطالباً بتقديم خدمة في الموعد المتفق عليه، فإن الطرف الآخر مطالب أيضاً بتقديم المعلومات أو المستندات أو المقابل المالي المطلوب منه وفق الاتفاق.

وإذا كان طرف مطالباً بالرد والتعاون، فإن الطرف الآخر كذلك لا ينبغي أن يستخدم التأخير أو الغموض وسيلة لتحقيق منفعة غير متفق عليها.

وهنا تظهر قيمة المبدأ: الحقوق تقابلها التزامات.

ماذا عن الصمت لسنوات ثم الاعتراض؟

هذه من أكثر المسائل إثارة للاهتمام في العلاقات التعاقدية طويلة الأجل.

ماذا لو استمر شخص في تنفيذ العقد فترة طويلة، واستفاد من خدماته أو مزاياه، وتبادل المراسلات بشأن تنفيذه، ثم عاد لاحقاً ليقول إنه لم يكن يفهم طبيعة العلاقة من البداية؟

لا يمكن إعطاء إجابة واحدة تصلح لكل حالة؛ لأن النزاعات القانونية تحكمها الوقائع والأدلة وطبيعة العقد والقانون الواجب التطبيق.

لكن السلوك الذي اتخذه الطرف أثناء مدة العقد قد يكون عنصراً مهماً ضمن الصورة الكاملة للنزاع.

فالمراسلات، والاستفادة من الخدمات، والطلبات السابقة، والدفعات، والاعتراضات وتوقيتها، جميعها قد تكون ذات أهمية عند تقييم العلاقة التعاقدية.

ولهذا فإن ما يفعله الطرف أثناء سنوات تنفيذ العقد قد يصبح مهماً بقدر ما كتبه يوم التوقيع.

حسن النية يبدأ قبل المحكمة

عندما يصل النزاع إلى المحكمة، يبدأ كل طرف في جمع الأدلة والمراسلات والعقود والمستندات لإثبات موقفه.

لكن الإدارة القانونية الجيدة للعقود تبدأ قبل ذلك بكثير.

تبدأ من وضوح العقد.

ومن توثيق المراسلات.

ومن الرد على الاعتراضات.

ومن عدم إعطاء وعود لا يمكن تنفيذها.

ومن الاحتفاظ بسجل واضح لما تم تقديمه وما طلبه كل طرف وما تم الاتفاق عليه.

لأن حسن النية لا ينبغي أن يكون مجرد عبارة نستخدمها عندما يبدأ النزاع، بل ثقافة في إدارة العلاقة منذ يومها الأول.

النص القانوني وحده لا يصنع الثقة

قد يستطيع الطرف أن يكتب عقداً يحميه بعشرات البنود.

لكن إذا كانت طريقة التنفيذ سيئة، فإن العقد وحده لن يصنع علاقة تجارية ناجحة.

والعكس صحيح.

حسن التعامل وحده لا يغني عن وجود عقد واضح يحمي الحقوق ويحدد الالتزامات.

العلاقة التعاقدية الناجحة تحتاج إلى الاثنين معاً:

عقد واضح يحمي الحقوق، وسلوك مهني يحترم روح الاتفاق.

في النهاية

حسن النية في العقود ليس عبارة تجميلية نضعها في مقدمة الاتفاقيات.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي تحويله إلى مفهوم فضفاض يستخدمه كل طرف لتجاوز الشروط التي وافق عليها.

قيمته الحقيقية تظهر عندما نفهم أن العقد ليس مجرد توقيع، وإنما علاقة مستمرة من الحقوق والالتزامات والسلوك المتبادل.

فالعقود قد تكتب بالحبر…

لكن طريقة تنفيذها هي التي تكشف حقيقة العلاقة بين أطرافها.

ملاحظة: يستند الجانب القانوني العام الوارد في هذا المقال إلى المبادئ المنظمة للعقود وحسن النية في التشريعات المدنية الإماراتية، مع الاستعانة بالمصادر القانونية الرسمية المتاحة وقت إعداد المقال. أما التحليل والأمثلة والآراء الواردة فيه فتعبر عن رؤية الكاتب، ولا تمثل استشارة قانونية بشأن واقعة محددة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى