بقلم: عماد بدري الشامي
قطاع السياحة من أكثر القطاعات ارتباطًا بالمتغيرات الخارجية؛ فقرار سفر بسيط قد يرتبط بشركة طيران، وفندق، وشركة سياحة، ومزود خدمات، ونظام حجوزات، وربما أكثر من دولة. ولهذا، عندما تقع أزمة مفاجئة، يظهر السؤال الأصعب: من يتحمل الخسارة عندما تتعطل الرحلة لأسباب لم يصنعها أي من الأطراف؟
قد تؤدي الحروب، وإغلاق الأجواء، والكوارث الطبيعية، والأوبئة، والقرارات الحكومية المفاجئة وغيرها من الظروف الاستثنائية إلى إلغاء الرحلات أو تأجيلها وتعذر تقديم بعض الخدمات السياحية في مواعيدها.

لكن من الخطأ الاعتقاد أن مجرد وجود أزمة يعني تلقائيًا سقوط جميع الالتزامات.
فالقاعدة الأساسية أن العقد شريعة المتعاقدين، وهو المبدأ الذي أكده قانون المعاملات المدنية الإماراتي الجديد. وفي الوقت ذاته، أخذ المشرّع في الاعتبار الظروف الاستثنائية التي قد تجعل تنفيذ الالتزام مرهقًا بصورة جسيمة، ومنح القضاء، وفق شروط محددة وبعد الموازنة بين مصالح الأطراف، صلاحية إعادة الالتزام المرهق إلى الحد المعقول أو الحكم بفسخ العقد. (UAE Legislation)
وهنا يجب التمييز بين أمرين كثيرًا ما يتم الخلط بينهما: صعوبة التنفيذ واستحالة التنفيذ.
فارتفاع التكلفة، أو انخفاض الأرباح، أو زيادة صعوبة توفير الخدمة لا يعني بالضرورة أن تنفيذ العقد أصبح مستحيلًا. وفي المقابل، قد توجد ظروف تجعل تنفيذ خدمة معينة غير ممكن فعليًا، وهنا تختلف الآثار القانونية بحسب طبيعة العقد والالتزام والسبب الذي أدى إلى عدم التنفيذ.
وفي القطاع السياحي تحديدًا، تصبح المسألة أكثر تعقيدًا؛ لأن الشركة السياحية قد تكون هي الأخرى مرتبطة بطرف ثالث. فالفندق قد يلغي الحجز، وشركة الطيران قد توقف الرحلة، والحدود أو الأجواء قد تُغلق، بينما العميل لا يرى أمامه سوى الجهة التي تعاقد معها ويطالبها بالتنفيذ أو التعويض.
ولكن هل من العدل تحميل طرف واحد كامل خسائر أزمة لم يكن سببًا فيها؟
برأيي، هنا تظهر أهمية الإدارة المهنية للأزمة قبل الوصول إلى النزاع القانوني.
فليس الحل دائمًا أن تقول الشركة للعميل: هذه قوة قاهرة ولا مسؤولية علينا. كما أنه ليس منطقيًا أن يفترض العميل أن الشركة مسؤولة عن كل حدث عالمي لمجرد أنه دفع قيمة الخدمة مسبقًا.
الحل الأكثر توازنًا قد يكون في إعادة الجدولة، أو تقديم خدمة بديلة، أو تمديد فترة الاستفادة، أو رد المبالغ التي لم تُستهلك عندما تسمح طبيعة العقد والقانون بذلك، أو الوصول إلى تسوية عادلة توزع آثار الأزمة بدلًا من إلقائها بالكامل على طرف واحد.
ومن هنا أرى أن العقود السياحية الحديثة يجب ألا تتعامل مع الظروف الاستثنائية في سطر عام ومبهم تحت عنوان «القوة القاهرة» فقط، بل يجب أن تحدد بوضوح: ماذا يحدث للحجز؟ ومتى يحق إعادة الجدولة؟ وماذا عن المبالغ المدفوعة؟ وما حدود مسؤولية الشركة عن مزودي الخدمات الخارجيين؟ وما الإجراء الذي يجب على الطرفين اتباعه عند وقوع الأزمة؟
الأزمات لا تختبر قدرة الشركات على تقديم الخدمة فقط، بل تختبر جودة عقودها، ومرونة إدارتها، وصدق تواصلها مع عملائها.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الصحيح دائمًا: من سيدفع ثمن الأزمة؟
بل ربما يكون السؤال الأكثر نضجًا:
كيف نوزع آثار أزمة لم يصنعها أي من الطرفين بطريقة تحفظ الحقوق، وتراعي القانون، ولا تحول ظرفًا استثنائيًا إلى نزاع كان من الممكن تجنبه؟
عماد بدري الشامي