22 عامًا في العقود وخدمة العملاء: ما الذي علّمتني إياه النزاعات عن البشر قبل القانون؟
بقلم عماد بدري الشامي
بعد أكثر من اثنين وعشرين عامًا من العمل في العقود وخدمة العملاء والتعامل مع النزاعات والشكاوى، وصلت إلى قناعة ربما تبدو غريبة لمن ينظر إلى النزاع من زاوية قانونية فقط:
كثير من النزاعات تبدأ بين البشر قبل أن تبدأ بين نصوص العقود.

خلال هذه السنوات، رأيت عقودًا واضحة تحولت إلى نزاعات طويلة، ورأيت خلافات كبيرة انتهت بمكالمة هادئة وصادقة. ورأيت أشخاصًا يقرأون العقد بعد ظهور المشكلة، رغم أنه كان بين أيديهم منذ سنوات.
وفي المقابل، رأيت شركات تتمسك بحرفية النص، وتنسى أحيانًا أن المحافظة على العلاقة مع العميل قد تكون أكثر قيمة من الانتصار في نقاش.
وهنا تعلمت أن العقد مهم، لكنه ليس وحده من يصنع علاقة تعاقدية ناجحة.
العقد يحدد الحقوق والالتزامات، أما الثقة والتواصل والتوثيق وحسن إدارة التوقعات فهي التي تمنع الكثير من الخلافات قبل أن تتحول إلى نزاعات.
ومن أكثر الدروس التي تعلمتها أن الإنسان عندما يكون راضيًا عن الخدمة، نادرًا ما يعود إلى قراءة تفاصيل العقد. ولكن عندما تحدث مشكلة، يبدأ في مراجعة كل كلمة، وكل رسالة، وكل وعد قيل له قبل التوقيع.
وهنا تظهر أهمية مرحلة ما قبل التعاقد.
ماذا قيل للعميل؟ ماذا فهم؟ ماذا وُعد به؟ وهل ما تم شرحه له يتطابق فعلًا مع ما تم توقيعه؟
وفي المقابل، هناك مسؤولية تقع على العميل أيضًا. فالتوقيع على عقد ليس إجراءً شكليًا، والاستفادة من خدماته لفترة طويلة، ثم التعامل معه لاحقًا وكأنه لم يكن موجودًا، يطرح أسئلة منطقية وقانونية لا يمكن تجاهلها.
لقد علمتني النزاعات كذلك أن التوثيق ليس تعبيرًا عن انعدام الثقة.
احتفظ بالرسائل، والإيصالات، والموافقات، والطلبات، والردود. ليس لأنك تتوقع النزاع، بل لأن ذاكرة الإنسان قد تتغير، بينما المستند يبقى.
وعلى المستوى المهني، ربما كان أهم درس تعلمته هو أن النجاح في إدارة النزاع لا يعني دائمًا أن تثبت للطرف الآخر أنه مخطئ.
أحيانًا يكون النجاح الحقيقي في أن تعرف متى تتمسك بحقك، ومتى تفاوض، ومتى تقدم حلًا وسطًا، ومتى يصبح استمرار النزاع أكثر تكلفة من إنهائه.
بعد اثنين وعشرين عامًا، أصبحت أرى أن أفضل عقد ليس العقد الذي يخيف الطرف الآخر بكثرة بنوده، وأفضل مسؤول عقود ليس من يحفظ النصوص فقط، وأفضل خدمة عملاء ليست التي تقول للعميل دائمًا إنه على حق.
الأفضل هو من يستطيع تحقيق التوازن بين حق الشركة، وحق العميل، ونص العقد، والواقع العملي.
فالقانون يعلمنا الحقوق والالتزامات، لكن سنوات التعامل مع الناس تعلمنا شيئًا آخر:
قد يكون النزاع قانونيًا في أوراقه، لكنه في كثير من الأحيان إنساني في جذوره.
عماد بدري الشامي


