عندما تستثمر دولة في الذكاء الاصطناعي… فعلى المحامي أن يستثمر في تعلمه
بقلم: عماد بدري الشامي
لم يعد الذكاء الاصطناعي ترفًا تقنيًا أو موضوعًا يخص المبرمجين فقط، بل أصبح جزءًا من مستقبل المهن كافة، وفي مقدمتها مهنة القانون.
ومع الخطوات المتسارعة التي تتخذها دولة الإمارات، أصبح من الواضح أن الذكاء الاصطناعي ليس مشروعًا مؤقتًا، وإنما توجه استراتيجي تبنى عليه مؤسسات الدولة مستقبلها. وقد جاء إنشاء الهيئة الاتحادية للذكاء الاصطناعي والبيانات ليؤكد أن الإمارات انتقلت من مرحلة دعم الابتكار إلى مرحلة بناء منظومة وطنية موحدة للذكاء الاصطناعي والبيانات والحكومة الرقمية.
وفي ظل هذا التحول، أعتقد أن السؤال لم يعد: هل سيستخدم المحامي الذكاء الاصطناعي؟

بل أصبح: هل يستطيع المحامي الاستمرار في المنافسة إذا لم يتعلم استخدامه؟
فالذكاء الاصطناعي اليوم قادر على مراجعة آلاف الصفحات خلال دقائق، والمساعدة في تحليل العقود، واستخراج البنود عالية المخاطر، وتلخيص الملفات الضخمة، والبحث في التشريعات والأحكام، وإعداد المسودات الأولية للمذكرات والعقود، مما يوفر وقتًا ثمينًا يمكن للمحامي استثماره في التفكير القانوني والاستراتيجية والتفاوض.
لكن من الخطأ الاعتقاد أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل المحامي.
فالبرنامج لا يتحمل المسؤولية القانونية، ولا يمثل موكله أمام القضاء، ولا يزن الأدلة بميزان الخبرة، ولا يقرأ ما بين السطور، ولا يدرك الاعتبارات التجارية أو الإنسانية التي قد تغير مسار القضية بالكامل.
لهذا أرى أن مستقبل المهنة لن يكون للمحامي الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي وحده، ولا للمحامي الذي يرفضه بالكامل، وإنما للمحامي الذي يجمع بين الخبرة القانونية والقدرة على توظيف هذه التقنية بوعي ومسؤولية.
وكما فرض الحاسب الآلي والبريد الإلكتروني نفسه على العمل القانوني قبل سنوات، فإن الذكاء الاصطناعي يسير اليوم في الاتجاه ذاته، ولكن بوتيرة أسرع بكثير.
ومن وجهة نظري، فإن كليات القانون، ومكاتب المحاماة، والإدارات القانونية، مطالبة منذ الآن بإدخال مهارات استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن برامج التدريب والتأهيل، لأن خريج الغد سيعمل في بيئة مختلفة تمامًا عن تلك التي عرفناها قبل سنوات.
الذكاء الاصطناعي لن يلغي قيمة المحامي، لكنه سيزيد الفجوة بين من يتطور ومن يكتفي بما تعلمه بالأمس.
وفي عالم تتسابق فيه الدول لبناء مستقبلها بالذكاء الاصطناعي، فإن أفضل استثمار يمكن أن يقوم به المحامي اليوم هو أن يجعل هذه التقنية أداة تعزز خبرته، لا أن تصبح بديلًا عنها.


