الدكتورة سارة مصطفى تكشف أسرار الغذاء الوظيفي وفوائده الصحية

تُعدّ التغذية الوظيفية واحدة من أبرز الاتجاهات الحديثة في عالم الصحة والوقاية من الأمراض. ومع البحث المستمر عن أبسط الطرق الطبيعية لتعزيز القيمة الغذائية لما نتناوله، تبرز البقول المنبتة كخيار ذكي وواعد يجمع بين البساطة والقيمة الصحية العالية.
ولتسليط الضوء على هذا الموضوع العلمي المهم، أجرينا هذا الحوار مع الدكتورة سارة مصطفى، مدرس التغذية وعلوم الأطعمة بكلية التربية النوعية – جامعة عين شمس، لنتعرف عن قرب على أسرار البقول المنبتة، والتغيرات الحيوية التي تطرأ عليها أثناء الإنبات، وانعكاس ذلك على صحة الإنسان.
د. سارة، لعل السؤال الأكثر تكرارًا الذي يتردد على ذهن الكثيرين هو: هل البقول المنبتة حقًا أفضل من البقول العادية؟ وبماذا تفسرين تفوقها الغذائي؟
د. سارة: الإجابة ببساطة هي نعم. فعملية الإنبات تُعد من أبسط الطرق الطبيعية التي يمكن أن ترفع القيمة الغذائية للبقول بشكل ملحوظ. فعندما تُنقع البذور في الماء وتُترك في الظروف المناسبة حتى تبدأ في الإنبات، لا يقتصر الأمر على ظهور البرعم فقط، بل تحدث داخل البذرة تغيرات حيوية معقدة؛ حيث تنشط الإنزيمات الطبيعية وتبدأ في تكسير المركبات المعقدة إلى مركبات أبسط، مما يجعل العناصر الغذائية أكثر سهولة في الهضم وأكثر قابلية للاستفادة منها داخل الجسم.
ما أبرز العناصر الغذائية والفيتامينات التي ترتفع نسبتها نتيجة عملية الإنبات؟
د. سارة: من أهم الأسباب التي تجعلني أنصح بالبقول المنبتة أنها تحتوي على مستويات أعلى من بعض الفيتامينات، خاصة فيتامين C وبعض فيتامينات المجموعة B. إضافة إلى ذلك، تتحسن جودة البروتين الموجود بها، ويزداد توافر بعض الأحماض الأمينية الأساسية، فضلًا عن ارتفاع مستوى المركبات المضادة للأكسدة التي تساعد على حماية خلايا الجسم من الإجهاد التأكسدي المرتبط بظهور العديد من الأمراض المزمنة.
لفت انتباهنا في أبحاث التغذية الوظيفية الحديثة ربطك بين البقول المنبتة وجودة النوم… فكيف تفسرين ذلك علميًا؟
د. سارة: هذا جانب شديد الأهمية؛ فقد أظهرت التطورات الحديثة أن عملية الإنبات قد تؤدي في بعض أنواع البقول إلى زيادة محتواها من التريبتوفان (وهو حمض أميني أساسي)، وكذلك الميلاتونين (المسؤول عن تنظيم الساعة البيولوجية ودورة النوم والاستيقاظ).
وبما أن التريبتوفان هو المادة الأولية لإنتاج السيروتونين الذي يتحول لاحقًا إلى الميلاتونين، فإن تناول هذه الأغذية يساهم في دعم جودة النوم بصورة طبيعية عند إدراجها ضمن نظام متوازن يراعي العادات الصحية الأخرى، كالتعرض للضوء الطبيعي.
وأؤكد دائمًا أن البقول المنبتة ليست علاجًا للأرق، وإنما غذاء وظيفي داعم لنمط حياة متكامل.
يعاني الكثيرون من مشكلات في امتصاص المعادن بسبب المركبات الطبيعية الموجودة في الحبوب؛ فكيف تتعامل عملية الإنبات مع هذه المشكلة؟
د. سارة: من الفوائد التي قد يجهلها الكثيرون أن الإنبات يساعد على تقليل محتوى حمض الفيتيك، وهو مركب طبيعي يوجد في البقول والحبوب ويحد من امتصاص بعض المعادن المهمة مثل الحديد، والزنك، والكالسيوم.
لذلك، فإن انخفاض هذا المركب أثناء الإنبات يمنح الجسم قدرة أفضل على الاستفادة القصوى من هذه العناصر الحيوية.
ماذا عن دورها في إدارة الوزن وصحة الجهاز الهضمي؟
د. سارة: تتميز البقول المنبتة باحتوائها على نسبة عالية من الألياف الغذائية، التي تلعب دورًا محوريًا في دعم صحة الجهاز الهضمي، وتعزيز الشعور بالشبع لفترات أطول، والحفاظ على استقرار مستويات سكر الدم عند تناولها بانتظام وضمن نظام غذائي متوازن، مما يجعلها خيارًا مثاليًا لمن يسعون إلى تحسين نمطهم الغذائي وصحتهم العامة.
هل هناك محاذير أو شروط معينة تنصحين بها عند تحضير واستهلاك البقول المنبتة؟
د. سارة: بالطبع، أنصح دائمًا بالاهتمام بالطريقة الصحيحة للإنبات باستخدام بذور جيدة الجودة، ومياه نظيفة، مع الحفاظ على نظافة الأدوات والبيئة المحيطة لتجنب نمو الميكروبات الضارة، خاصة إذا كانت ستُستهلك دون طهي.
كما أوجه نصيحة خاصة للحوامل، وكبار السن، والأشخاص ذوي المناعة الضعيفة بضرورة تناول البقول المنبتة بعد طهيها حفاظًا على سلامتهم.
في ختام هذا الحوار الممتع، ما الرسالة التي ترغبين في توجيهها للقارئ؟
د. سارة: أؤمن تمامًا أن التغذية الصحية لا تعتمد فقط على اختيار نوع الطعام، بل تعتمد بالأساس على طريقة تحضيره.
والبقول المنبتة خير مثال على ذلك؛ فهي ليست مجرد بذور بدأت في النمو، بل غذاء تزداد قيمته بعملية طبيعية بسيطة، ليصبح إضافة ذكية ومدروسة لأي نظام غذائي يهدف إلى تعزيز الصحة والوقاية من الأمراض.



